الشيخ أحمد فريد المزيدي
318
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
سمحت نفوسهم ببذل المهج عند أول حقّ من حقوقه في طلب الوسيلة إليه ، فبادرت غير مبقية ولا مستبقية ، بل نظرت إلى أن الّذي عليها في حين بذلها أكثر مما لها بما بذلت ، لوائح الحقّ إليها مشيرة ، وعلوم الحقّ لديها غزيرة ، لا توقفهم لائمة عند نازلة ، ولا تثبطهم رهبة عند فادحة ، لا تبعثهم رغبة عند أخذ أهبة ، حافظون لما استحفظوا من كتاب اللّه ، وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [ المائدة : 44 ] ، إذ عرّج بهم اللجأ عند القيام بواجب إلى طلب الاستعانة لإتمام ما قلّدوه ، لم ينجهم الإصغاء إلى المناصحة ما بقيت منهم بقية حياة موجودة ، إشفاقا من دخول الوهم مع وجود العلم بواجب الحقوق إلى حقوقها ، نزل التوقف عن استقبال المبادرة في حين الأمر بالسّعي ، ليكون الفعل عقيبا للأمر ، بلا فصل محدود يعلم في غير صفة الأمرية . وهذه صفات أهل الموالاة من أهل المصافاة ، الدائم نظرتهم إلى ما يجري بهم القول ، مما ألزم حقّ العبوديّة في الرهبانيّة ، الّذي وقع الذّم لمن التزمها ، ولم يقم بواجب حقها بترك رعايتها ، فسبقت نفوس المعاملين إلى ما لهم بعملهم ، فاحتجبوا برؤية ما لهم بعملهم ، عمّا لهم بعلم عملهم ، عما لهم بالإنعام عليهم بكشف علم عملهم . فتكاثفت الحجب بالحجب عن كشف علوم الحجب ، فأقاموا تحت التغطية . وبعد الخروج من هذه الأماكن تبدو علوم كشف التغطية ، لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ ق : 22 ] . وقف على حدود الأشياء بكشف باريها لها ، وما ألبسها من نور الصّنعة ، وزهرة الإرادة بنفاد القدرة على جمعها ، وتفريقها ، ومجازها ، وتحقيقها ، قال تعالى : وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [ البقرة : 255 ] ، وقوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ [ البقرة : 256 ] . وصلّى اللّه على محمّد النبيّ المكرّم المطهّر ، المفضّل ، المرحوم وعلى آله وصحبه ، وعترته الأطهرين الطيّبين ، الأخيار النجباء ، الأبرار ، والحمد للّه رب العالمين ، وهو حسبنا ونعم الوكيل . * * *